فخر الدين الرازي
87
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
موضع التسفل والظلمة والضيق ، وحضور الشياطين ، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل : إنه لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] . و يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ . [ المطففين : 21 ] . السؤال الثاني : قد أخبر اللّه عن كتاب الفجار بأنه لَفِي سِجِّينٍ ثم فسر سجينا ب كِتابٌ مَرْقُومٌ فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه ؟ أجاب القفال : فقال قوله : كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا لسجين ، بل التقدير : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم ، فيكون هذا وصفا لكتاب الفجار بوصفين أحدهما : أنه في سجين والثاني : أنه مرقوم ، ووقع قوله : وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ فيما بين الوصفين معترضا ، واللّه أعلم . والأولى أن يقال : وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر ، إما بأن يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال الأشقياء ، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين ، وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون المراد من الكتاب ، الكتابة فيكون في المعنى : كتابة الفجار في سجين ، أي كتابة أعمالهم في سجين ، ثم وصف السجين بأنه كِتابٌ مَرْقُومٌ فيه جميع أعمال الفجار . السؤال الثالث : ما معنى قوله : كِتابٌ مَرْقُومٌ ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه وثانيها : قال قتادة : رقم لهم بسوء أي كتب لهم بإيجاب النار وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مرقوما ، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته ، فكذلك كتاب الفاجر جعل مرقوما برقم دال على شقاوته ورابعها : المرقوم : هاهنا المختوم ، قال الواحدي : وهو صحيح لأن الختم علامة ، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوما وخامسها : أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينمحي ، أما قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ففيه وجهان أحدهما : أنه متصل بقوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ أي : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 83 ] ويل لمن كذب بأخبار اللّه والثاني : أن قوله : مَرْقُومٌ معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة ، ثم قال : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم من ذلك الكتاب ، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال : وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفا بهذه الصفات الثلاثة فأولها : كونه معتديا ، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق وثانيها : الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي . وأقول الإنسان له قوتان قوة نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته ، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف الخير لأجل العمل به ، وضد الأول أن يصف اللّه تعالى بما لا يجوز وصفه به ، فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم اللّه بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة اللّه بجميع الممكنات . فهذا الاعتداء ضد القوة العملية ، هو الاشتغال بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة ، وربما صار ذلك مانعا له عن الإيمان بالقيامة . وأما الصفة الثالثة : للمكذبين بيوم الدين فهو قوله : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ / الْأَوَّلِينَ والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين ، وفيه وجهان أحدهما : أكاذيب الأولين والثاني : أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند اللّه بهذا الطريق ، وهاهنا بحث آخر : وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولا ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول الكلبي : أن